عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
392
اللباب في علوم الكتاب
من هذا الطّارئ شيئا ، أو لا يعدم منه شيئا ، والأول هو الموازنة ، وهو قول أبي هاشم « 1 » ، وهو باطل ، وذلك لأنّ الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر ، فلو حصل العدمان معا اللّذان هما معلولان ، لزم حصول الموجودين اللّذين هما علّتان ، فيلزم أن يكون كلّ واحد منهما موجودا حال كون كلّ واحد منهما معدوما وهو محال . والثاني ، وهو قول أبي علي الجبّائي « 2 » : هو أيضا باطل ؛ لأنّ العقاب الطّارئ لما أزال الثّواب السّابق ، وذلك الثّواب السّابق ليس له أثر البتة في إزالة الشّيء من هذا العقاب الطّارئ ، فحينئذ لا يحصل له من العلم الذي أوجب الثّواب السّابق فائدة أصلا ، لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب ، وذلك على مضادة النّصّ الصّريح في قوله تبارك وتعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، لأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقّة الطّاعة ، ولم يظهر له منها أثر ، لا في جلب منفعة ، ولا في دفع مضرة . خامسها : أنكم تقولون الصّغيرة تحبط بعض أجزاء الثّواب دون البعض وذلك محال ؛ لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهيّة ، فالصّغيرة الطّارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكلّ في الماهيّة كان ذلك ترجيحا للممكن من غير مرجّح ، وهو محال فلم يبق إلّا أن يقال بأنّ الصّغيرة الطّارئة تزيل كلّ تلك الاستحقاقات ، وهو باطل بالاتّفاق ، أو لا تزيل شيئا منها ، وهو المطلوب . سادسها : أنّ عقاب الكبيرة ، إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدّم ، فإمّا أن يقال : بأنّ المؤثر في إبطال الثّواب بعض أجزاء العقاب الطّارئ ، أو كلها ، والأوّل باطل ؛ لأنّ اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثريّة دون البعض مع استواء كلّها في الماهيّة ترجيح للممكن من غير مرجّح ، وهو محال . الثاني باطل ؛ لأنّه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثّواب جزان من العقاب مع أنّ كلّ واحد من ذينك الجزأين مستقلّ بإبطال ذلك الثّواب ، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران كلّ واحد منهما مستقلّ وذلك محال ؛ لأنّه يستغني بكلّ واحد منهما عن كلّ واحد منهما فيكون غنيّا عنهما معا ، حال كونه محتاجا إليهما معا ، وهو محال . سابعها : أنّه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين ؛ لأنّ السّيّد إذا قال لعبده : احفظ هذا المتاع لئلّا يسرقه السّارق ، ثم في ذلك الوقت جاء العدوّ ، وقصد قتل السّيّد ، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدوّ ، وقتله ، فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح ، والتعظيم حيث دفع القتل عن سيّده ، ويوجب استحقاقه للذّمّ ، حيث عرض ماله للسّرقة ، وكلّ واحد من الاستحقاقين ثابت ، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى التّرجيح أو إلى المهايأة ، فأمّا أن يحكموا بانتفاء الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداية العقول .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 45 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق .